الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

46

مختصر الامثل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيداً ( 11 ) الامتحان الإلهي العظيم في مواجهة الأحزاب : تتحدث هذه الآيات والآيات الأخرى التالية ، والتي تشكّل بمجموعها سبع عشرة آية ، عن أعسر الامتحانات والاختبارات الإلهية للمؤمنين والمنافقين ، واختبار مدى صدقهم في العمل ، الذي بحث في الآيات السابقة . إنّ هذه الآيات تبحث أحد أهم حوادث تاريخ الإسلام ، أي عن « معركة الأحزاب » . إنّ حرب الأحزاب - وكما يدل عليها اسمها - كانت مجابهة شاملة من قبل عامة أعداء الإسلام والفئات المختلفة التي تعرّضت مصالحها ومنافعها اللامشروعة للخطر نتيجة توسّع وانتشار هذا الدين . لقد أشعلت أوّل شرارة للحرب من قبل يهود « بني النظير » الذين جاؤوا إلى مكة وأغروا « قريش » بحرب النبي صلى الله عليه وآله ، ووعدوهم بأن يساندوهم ويقفوا إلى جانبهم حتى النفس الأخير ، ثم أتوا قبيلة « غطفان » وهيّئوهم لهذا الأمر أيضاً . ثم دعت هذه القبائل حلفاءها كقبيلة « بني أسد » و « بني سليم » ، ولما كان الجميع قد أحسّ بالخطر فإنّهم اتّحدوا واتّفقوا على أن يقضوا على الإسلام إلى الأبد . أمّا المسلمون اجتمعوا للتشاور بأمر النبي صلى الله عليه وآله ، وقبل كل شيء أخذوا برأي « سلمان الفارسي » وحفروا حول المدينة خندقاً حتى لا يستطيع العدو عبوره بسهولة ويهجم على المدينة ، ولهذا كان أحد أسماء هذه المعركة « معركة الخندق » . لقد مرّت لحظات صعبة وخطرة جدّاً على المسلمين ، وكانت القلوب قد بلغت الحناجر ، وكان المنافقون من جهة أخرى قد شمّروا عن السواعد وجدّوا في تآمرهم على الإسلام ، وكذلك ضخامة عدد الأعداء وقلة عدد المسلمين - ( ذكروا أنّ عدد الكفار كان عشرة آلاف ، أمّا المسلمون فكانوا ثلاثة آلاف ) وإستعداد الكفار من ناحية المعدّات الحربية ، كل ذلك قد رسم صورة كالحة للمصير المجهول في أعين المسلمين . إلّاأنّ اللَّه سبحانه أراد أن